رحلةٌ عبر تاريخ جدة
يحمل شعور التجوّل في طرقات جدة عبقًا تاريخيًا ساحرًا، يلامس شغاف روحك وأنت تتّبع آثار خُطى التجّار والحجّاج المحتشدين في شوارعها الحيويّة على مدى التاريخ، والتي غمرت بحميميّة وعبرت الماضي واستقرت على أعتاب الحاضر والمستقبل.

كانت جدة "عروس البحر الأحمر"، ولا زالت حاضنة ومعانقة لشتات زوّارها وقاطنيها منذ عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفّان وذلك قبل إعلانها ميناءً بحريًا لمكة المكرمة عام ٦٤٧ للميلاد.

وتعدّ جدة قلبًا حيويًا تجاريًا للمملكة، وموقعًا مسجّلاً في التراث العالمي لليونسكو، لتشكّل مزيجًا من العراقة والأصالة التي تكتنف أزقتها، عندما تصل جدة القديمة بجدة الجديدة، لتكشف السِّتار عن أماكن ساحرةٍ مبهرةٍ تستحق الزيارة والتجوال بين معالمها الأثرية البديعة.

نستعرض هنا أبرز المعالم التاريخيّة الجميلة في جدة القديمة خلال جدولِ يومٍ كاملٍ لزيارة أجمل وجهاتها الأثرية الخلابة.
Bab Makkah

باب مكة

تبدأ رحلتك ويومك بالتجوّل حول أسوار جدة التاريخيّة (جدة البلد)، وعلى مشارف بوّابة مكة المهيبة، وتأمّل ملامح التجديد والعمارة التطويريّة لجدرانها الأثرية التي تمتدُّ إلى القرون الوسطى، وتقف شامخة وشاهدة على تكبيرات الحجيج في مواسم الحج، متميّزين بأرديتهم البيضاء النَّاصعة، وتكسوهم هالة من الروحانيّة والقداسة وهم يشقُّون طريقهم تلقاء مكة.

وتشتهر جدة البلد بمنازلها المصمّمة ببنيان بالغ التميّز والجمال، حيث بُنيت باستخدام الشُّعَب المرجانيّة المستخرجة من أعماق البحر الأحمر، وشرفاتها الزاهيّة بالألوان البديعة والمعروفة بالمشربيّات.

Matbouli House Museum

متحف بيت المتبولي

يقع متحف بيت المتبولي الخاص غرب باب مكة على مشارف سوق العلوي التاريخي، وهو تجسيدٌ مبهرٌ للتصاميم المعماريّة الحجازيّة، والذي تحوّل مؤخّرًا لضيافةٍ ومتحفٍ في الوقت ذاته.

بُني المنزل بواسطة مرجان البحر الأحمر، ويضم تسع مشربياتٍ من الخشب البديع على واجهة المنزل، والتي أضفت هالةً من الجمال السَّاحر لمرتاديه؛ ليستمتعوا بتأمل تصاميم أسقفه ودرجاته المتعرِّجة، وغرفه المزيّنة بأجمل التحف الأثريّة ذات الصُنع المحلي، والتي تعكس في رونقها لمحاتٍ من عراقة جدة البلد.

Souq Al Alawi

سوق العلوي

يقع سوق العلوي في جدة بالقرب من متحف بيت المتبولي، وهو سوقٌ ينبض بالألوان البراقة الزّاهية، ويحوي داخله شبكةً من متاهات الأزقّة الضيّقة التي تعج برائحة التوابل، ومناداة الباعة المتجوّلين، ويعدّ سوق الحجّاج التاريخي أكبر أسواق المملكة الشعبيّة، وأفضل وجهةٍ في جدة لاقتناء أرقى التمور العربيّة والأطعمة المحليّة.

لا تفوّت تذوّق الأكلة الشعبيّة "المطبّق" في أحد أكشاك الطعام المنتشرة في أرجاء السوق.

Naseef House (Bayt Naseef)

بيت نصيف

يعدّ هذا القصر الملكي المطلّ على السُّوق الشعبيّة، أحد أجمل المنازل التقليديّة والأثريّة لتُّجار جدة البلد، والذي أصبح مسكنًا فيما بعد لملك المملكة الملك عبدالعزيز، بعد ضمّ جدة عام ١٩٢٥م، فتمّ تصميم مناطقه الداخليّة لتشمل أسوارًا واسعة تسمح لرسل الملك بالصعود مباشرةً على الجمال إلى شُرفات القصر والتي كانت مكانًا مفضّلاً لاسترخاء الملك عبدالعزيز.

تحوّل القصر إلى متحفٍ ومركزٍ ثقافي يضم مجموعةً بديعةً من المدافع البرتغالية التي تعود للقرون الوسطى، والتي كانت تتواجد بالقرب من شجرةٍ بالغة الضخامة قيل عنها أنها الشجرة الوحيدة في جميع أنحاء جدة في عشرينيات القرن العشرين؛ ومنها سمّي بيت نصيف بـ"منزل الشجرة".

Al Shafee Mosque

مسجد الشافعي

على بعد أمتارٍ شمال شرق بيت نصيف يقع مسجد الشافعيّ التاريخي، والمسمّى على أحد أشهر علماء المسلمين الإمام الشافعي، ويتميز بمئذنة مذهلةٍ، وقاعةٍ مركزيةٍ فاتنة التصميم، محاطةً بعوارض خشبية مكشوفة ومحرابٍ يعود تاريخه إلى القرن السابع.

Hanafi Mosque Minaret

مئذنة المسجد الحنفي

اختتم رحلتك التاريخية في أزقة جدة البلد بالتوجه إلى مئذنة المسجد الحنفي المكتسية بالبياض، والمتوارية بين أزقّة منطقة الباشا، وقد سمي المسجد التاريخي على أحد أشهر أئمة الإسلام الإمام أبو حنيفة.

اقضِ ساعةً من التأمل ببديع التصميم الكلاسيكي لمئذنة المسجد الموشحة باللون العسلي، وتخيّل مشهد المؤذّن المسنّ وهو يتكيء على جنبات السُّلم صعودًا إلى شرفة المئذنة؛ ليشدو بصوته العذب أنغام الأذان، ويحدو أرواح المؤمنين ويجمعهم للصلاة كما كان في عصور جدة القديمة.